طوم سمعان قس في سفر الخالدين .:. الدكتورة روضة الحارثي في ذمة الخلود .:. تذكار السيدة العذراء على بركة السنابل .:. التقويم الأسبوعي ـ الأسبوع الثالث من شهر أيار عام 2012 .:. بيـان صـادر عن أصحـاب القداسة والغبطـة بطاركـة سوريـة .:. شركاء التنمية .:. راعي الأبرشية عند محافظ حلب .:. غداء بمناسبة عيد مار جرجس .:. معزوفات موسيقيّة .:. صلاة من أجل سورية .:.


جولة في ربوع العراق اليوم

جولة في ربوع العراق اليوم
 التقى موقع alepposuryoye  نيافة راعي الأبرشية مار غريغوريوس يوحنا ابراهيم، بعد أن عاد من زيارة مفاجئة للعراق،

حيث زار أربيل وعينكاوا ودهوك وبعض القرى السريانية في شمال العراق، ولمعرفة المزيد عن أبعاد هذه الزيارة، جرى هذا الحديث.

س 1 : سمينا هذه الزيارة بـ " المفاجأة "، وكانت فعلاً مفاجـأة للجميع، هل لنا أن نتعرف على الأسباب التي دعتكم للقيام بهذه الزيارة في هذه الظروف العصيبة بالذات، وأنتم تعلمون أن المخاطر تحيط بكل مسافر إلى العراق ؟

ج 1 : لقد عشت في العراق حوالي سبع سنوات، وأحمل في قلبي ذكريات طيبة لهذا البلد العريق، ولي أصدقاء فيه، خاصة في مدينة الموصل، ولا أستطيع أن أنسى العراقيين سيما في هذه الظروف الصعبة، وقد حاولت من خلال لقاءاتي في أكثر من مكان في العالم، سواء كان مع شخصيات سياسية، أو دينية، أو مؤسسات، تعمل من أجل السلام، أو في المؤتمرات على المستويات كافة، أن أتحدث عن العراق، وأناشد كل ذي ضمير حي ليعمل على وقف المجازر التي تقترف بأسماء وأشكال متعددة على أرض العراق، وأذكر منها بصورة خاصة : المنظمة العالمية للأديان من أجل السلام، ومجلس الكنائس العالمي، ولقاءات الشعوب والأديان في كل سنة، وغيرها، ولكن هذه المواقف بحد ذاتها لم تمنعني من التفكير بالقيام بزيارة ولو خاطفة لبعض المدن والقرى السريانية، والمناطق التي حولها، فقررت السفر إلى العراق، بعد أن تلقيت دعوةً كريمة من معالي رابي سركيس آغاجان وزير مالية إقليم كوردستان، الذي سمعتُ عنه الكثير وقرأت عن مشاريعه في القرى السريانية الكلدانية الآشورية، فغادرت مطار دمشق بالطائرة متوجهاً إلى أربيل بعد ظهر يوم الاثنين 4/2/2008، ووصلت إلى أربيل بحدود الساعة السابعة، وكان معاليه قد أرسل وفداً برئاسة كبير المذيعين في قناة عشتار الأستاذ شمعون متي لاستقبالي في المطار، ومرافقتي إلى قصر الضيافة.

 

س 2 : هل التقيتم معالي الأستاذ سركيس آغاجان ؟

ج 2 : نعم، بعد وصولي قدم معاليه للسلام عليَّ، وكانت جلسة ممتعة جداً شعرت خلالها بأنني فعلاً أمام شخصية محبوبة جداً، جمعت بين الشفافية والوضوح في الرؤية، وبعد النظر، ودماثة الأخلاق، وتواضع كبير، وكان الحديث يدور حول أوضاع شعبنا بكل تسمياته، وتبيّن لي أن معاليه يعرف كل شاردة وواردة تتعلق بشعبنا ليس فقط في العراق، وإنما في كل مكان، وتحليله للمواقف صائب وصحيح. وجعلني أن أدرك بأن اهتمامه بشعبنا ينطلق من إيمانه القوي بالله تعالى، فهذا الثبات في الرأي، والعمل من أجل تحقيق الهدف، لا ينطلق إلا من إحساسه الكبير بضرورة جعل حضور شعبنا في كل المجتمعات قضية ينبغي الاحاطة بكل جوانبها، وهذا لا يحصل إلا من كان يعرف أهمية عراقة هذا الشعب وتاريخه ماضياً وحاضراً، ثم وضع الأسس لمستقبل مضيء تُعاد فيه صفحة الأمجاد التي قدّمها هذا الشعب في كل تاريخه، لقد أكَّد لي بأن العطاء كان من أهم سمات شعبنا، وشعبنا مؤهّل ليسهم في هذا العطاء في كل المجالات.

 

س 3 : إذاً حديثكم الطويل كان يدور حول شعبنا، وماذا عن المستقبل ؟

ج 3 : قلتُ لك أن معالي رابي سركيس آغاجان إنسان مؤمن، وهذا الإيمان ليس مجرد ممارسة شخصية، إنه فعل يعيشه بكل جوارحه، وربما تكون هذه أهم صفة من صفات نجاحه في الحياة، عندما يحدثك يجعلك تنسى كل شيء في حياتك، وتنصت إليه، يستعمل عبارات بسيطة، ولغة سهلة، ولكن الفكرة تبقى هي الأهم عنده. إنه صادق مع نفسه، وصدقه معك يجعلك تشعر أنه بالرغم من كل شيء هو متفائل، وتفاؤله مبنيٌ على المعطيات. فالذي يستطيع أن يقنع مئات العائلات السريانية الكلدانية الآشورية بالعودة إلى قراهم بعد أن بنى فيها مساكن ومدارس وكنائس ومراكز ثقافية، وهيأ فيها كل سبل الراحة والتقدم العلمي، لماذا لا يكون متفائلاً ؟ وبعدما أستطاع أن يطالب بحقوق شعبنا بأعلى صوته، ومع كل المقامات العراقية وغيرها، الرسمية وغير الرسمية، لماذا لا يكون متفائلاً بهذا المستقبل ؟ إنه مع وحدة العراق بكل مكوِّناته، ومع وحدة المصير لكل ما في هذه المنطقة من تغيرات وتبدلات، ولكنه في الوقت ذاته مع حماية شعبنا وضمان حقوقه من خلال دستور العراق الجديد، فأين المشكلة إذا كان معالي رابي آغاجان منفتحاً على الآخر، ويدعو إلى وحدة العراق وعدم تدخل الغرباء بشؤون بلده ؟ هذا الذي سمعته في جلسات أخرى جعلني أن أشعر بأن مطلبه مطلب حق. ولمَ لا ؟ إذا كان الجميع يطالب بحقوقه.

 

س 4 : كيف بدأ برنامج اليوم التالي ؟

ج 4 : في الحقيقة الزيارة الأولى كانت لأهم معلم ثقافي روحي موجود في ذلك الإقليم وهو كلية بابل اللاهوتية. قبل أن أقوم بزيارة هذا الصرح زرت مطرانية الكلدان، وكان سيادة المطران أندراوس أبونا والأب بشّار والأب سعد حاضرين، جرى الحديث عن أوضاع البلد بشكل عام وأوضاع المسيحيين بشكل خاص، وسمعت منهم كم كانت آلام وعذابات المسيحيين في كل من بغداد والموصل، ولكن إيمان الكثيرين منهم كان وراء بقائهم في أرض الآباء والجدود، وتقديم الشهادة الحية لمجتمع تتقاذفه كل أساليب العنف والاضطهاد، وتلعب به جهات لها مصالح خاصة.

        في كلية بابل وقفت بدهشة أمام هذا الصرح، بناه معالي رابي سركيس آغاجان، وأعده ليكون مكاناً لائقاً لاستيعاب طلبة المعهد العالي للاهوت، وكلية بابل، بعد أن هددت عواصف الحرب أركانها في مقرها الثابت في بغداد، وهكذا أصبح هذا الصرح، الجناح الثاني حيث يستطيع أن يلجأ إليه طلبة العلم. فرحت بالكلية والمنهاج الذي تسير على منواله الكلية، واتساع المبنى، والمكتبة، وغيرها من المستلزمات التي تجعل من الكلية ناجحة في مسيرتها الفكرية والثقافية.

        توجهت بعدها إلى قناة عشتار التي أسسها معالي رابي سركيس آغاجان، ويُشرف شخصياً على تمويلها وأعمالها وسير الأمور فيها، ومكّنته خبرته من الإطلاع على عالم الإعلام بشكل واسع، ولهذا فعندما دخلت إلى هذا الصرح الإعلامي، واستقبلني المدير العام الأستاذ رازميك مراديان، يحف به عدد من كبار موظفي القناة، أدركت أن إنشاء قناة إعلامية تنطق بالمآثر الكثيرة التي عرفها شعبنا في هذه الأيام، إنما هو من الضرورات التي لا يمكن الاستغناء عنها. وبعد أن أخذت علماً بتفاصيل ما يجري في قناة عشتار، شكرت الله بأن شعبنا السرياني الكلداني الآشوري، يدخل اليوم في عالم الإعلام من أوسع أبوابه، والمشاهدون لقناة عشتار في كل العالم يعترفون بالجهود التي تبذل من أجل جعلها قناةً سريانية ناجحة بكل المعاني والأبعاد.

 

س 5 : ماذا عن برنامج زيارتكم في اليومين التاليين ؟

ج 5 : بحسب البرنامج المعد لي، زرت بلدة برطلة التاريخية المعروفة بأصالة شعبها وبعطاءات هذه البلدة في مجالات كثيرة، أذكر مثلاً وأنا أزور برطلة المثلث الرحمة البطريرك يعقوب الثالث الذي زيّن الكرسي الأنطاكي حوالي ربع قرن، بإدارته الحكيمة، وانفتاحه على العالم المسيحي، ودوره في المسيرة المسكونية، وعلمه الواسع، وفكره الناضج، وأذكر بطاركة ومطارنة وعلماء عاشوا في هذه البلدة، وكتبوا عنها، وذكروها في مؤلفاتهم منهم العلاّمة ابن العبري. وزرت أيضاً بغديدا (قره قوش) التي فيها أكبر تجمّع سرياني (كاثوليكي ـ أرثوذكسي). وجدت كيف أن المساكن الجديدة التي دخلت ضمن برنامج عمل معالي رابي سركيس آغاجان قد زيّنت هذه البلدة، والنشاط قائم على قدم وساق في كل كنائس البلدة. مركز مار بولس مثلاً هو مَعلَم لا بد أن يزوره كل قادم إلى بغديدا (قره قوش)، في هذا المركز دورات للتعليم المسيحي، ولمحو الأمية، ومكتبة مفتوحة أمام الجميع، ومطبعة تساهم في نشر الفكر، وغيرها من النشاطات. وفي هذه البلدة أذكر أحد أدبائنا في القرن العشرين هو الملفان المطران مار غريغوريوس بولس بهنام صاحب مجلتي المشرق ولسان المشرق، والمؤلفات الغنية في الأدب والشعر والتاريخ.

        كما سعدت بزيارة دير مار يوحنا الديلمي، الذي بنى على أنقاضه نيافة المطران صليبا شمعون ديراً جديداً باسم دير مار يوحنا، على أمل أن تنتعش فيه الحياة الرهبانية مستقبلاً، ويكون مركزاً للرياضات الروحية، وقد ساهم معالي رابي سركيس في البناء أيضاً. لقد فرحت برؤية صاحبي النيافة مار صليبا شمعون ومار اسحق ساكا، وسمعت منهما أخبار شعبنا السرياني في العراق.

 

س 6 : وكيف كان انطباعكم عن بغديدا  بالذات ؟

ج 6 : هذه البلدة التي تُسمى اليوم بغديدا، وهو الاسم القديم لها، وحديثاً سميت قره قوش، نمت كثيراً في كل المجالات خاصة من الناحية العمرانية، فالتوسع ظاهرٌ فيها وحتى النمو السكاني قد أعطى للبلدة بُعداً جديداً، فسمعت أن أكثر من /1500/ عائلة جديدة سريانية أرثوذكسية وكلدانية وآشورية قد اختارت بغديدا كمقر إقامة لها، ما عدا عدد كبير من سريان البلدة الذين عادوا إليها من المدن العراقية مثل : بغداد والموصل والبصرة.

        وسررت لأن مشاريع معالي رابي سركيس آغاجان قد جمّلت البلدة ليس فقط بالبناء الحديث في مساكن العائلات، بل بالكنيسة الجميلة التي بناها على نفقته، واهتمامه بالإصلاحات ببقية الكنائس، وقد عبر الكثير عن امتنانهم وشكرهم لمعاليه، مؤكدين بأن سخاءه في هذه الظروف بالذات هو مكان إعجاب الكثيرين.

 

س 7 : وكيف عدتم إلى مقر عملكم ؟

ج 7 :  كان لا بد لي أن أقطع برنامج زيارتي، بسبب زيارة وزيرة خارجية النمسا السيدة أورسولا بلاسنيك إلى دار المطرانية بحلب، وربما هذا ساعدني للتعرف أكثر على مناطق أخرى في هذا الإقليم، وقد هيأ لي معالي رابي سركيس آغاجان سيارة خاصة مع سيارات حماية، ورافقني الأستاذ شمعون متي، فذهبنا أولاً إلى دهوك بعد أن مررنا ببعض القرى في  المناطق الجبلية التي حباها الله جمالاً وبهاءً، ويمكن أن تكون من المناطق السياحية مستقبلاً. وفي مدينة دهوك حيث يوجد عدد كبير من العائلات السريانية والكلدانية والآشورية، زرت دار المشرق وكان في استقبالي الأب شليمون أيشو خوشابا النشيط جداً، ومعه بعض العاملين في الدار، وهو الذي أعدَّ مع الأب عمانوئيل بيتو يوخنا قاموس زهريرا، وهو قاموس عربي ـ سرياني مهم، وتعرفت على نشاطات هذه الدار الهامة في عالم النشر، وقد أبدى المسؤولون فيها ارتياحهم للدعم المادي والمعنوي الذي يقدمه معالي رابي سركيس آغاجان لهم  ولعالم النشر، ويهمني هنا أن أذكِّر بتبرع معاليه بطباعة كتابين في دار ماردين ـ الرها بعنوان : الكنوز، الأول للعلاّمة أيوب الرهاوي، والثاني للمطران يعقوب البرطلي، وقد زودنا الأب شليمون ببعض منشورات دار المشرق.

        ومن دهوك وفي طريق تمتد على الحدود التركية ـ السورية توجهت إلى بلدة ربيعة، وهي واحدة من مضارب قبيلة ربيعة الشهيرة، وهي تذكرنا بمضارب العرب المسيحيين في المنطقة، خاصة من بني مضر وبكر وربيعة، وخدمة أحد مشاهير قديسي وشهداء العراق مار أحودامه لهم. في ربيعة أنجزت معاملات العودة وعدت عن طريق القامشلي إلى حلب، بعد أن وجدت كل لطف ومحبة من موظفي الحدود في العراق وسورية. ولكن في طريقي إلى ربيعة مررت ببلدة سميِّل التي شهدت مجزرة من مجازر شعبنا سنة /1933/، ما زالت أصداؤها السلبية محفوظة في ذاكرة الأيام. ووجدت من المناسب أن أزور بلدة فيشخابور هذه البلدة الصامدة الواقعة على نهر دجلة بينها وبين قرية سورية معروفة باسم خانيك، قريبة من مدينة المالكية، نهر دجلة ذاته، من هذه البلدة خرج الصديق العلامة الأب ألبير أبونا صاحب كتاب الأدب الآرامي.

لا يستطيع إنسان أن يتخيل منطقة جميلة مثل هذه المنطقة، فأنت إذا وقفت على سطح كنيسة الكلدان في فيشخابور تجد نفسك بين مثلث يجمع سورية وتركيا والعراق، وانحدار نهر دجلة وهو يمر من تركيا، تارة في أرض عراقية، وتارة أخرى في أرض سورية، يدفعك للتعرف أكثر وأكثر على ماضي هذه المنطقة الغني بالتراثات والثقافات والاثنيات واللغات، وهي مجتمعة من ركائز مفهوم التعددية في عالمنا.

أستطيع أن أختم بقولي أن العراق بلد العطاء في كل المجالات لن يموت على ساحة الاغتيالات والاعتداءات على كرامات الإنسان، لأن جذوة الإيمان في قلوب مواطنيه مسلمين ومسيحيين ستبقى مشتعلة في ثنايا التاريخ، وستبقى رايات وحدة الأرض والمصير في قائمة أولويات كل العراقيين.