كلمة عن كتاب : قبول الآخر، ونظراً لأهمية هذا المقال ننشره على صفحات موقع alepposuryoye، شاكرين عناية الأستاذ مراياتي واهتمامه بمحتويات هذا الكتاب.
قبول الآخر : المطران يوحنا ابراهيم
متروبوليت حلب، دار ماردين ـ حلب، ط 2 /2007/، 330 ص، قطع تحت الوسط.
صدر هذا الكتاب في طبعته الأولى بنشر وتوزيع دار قدمس - دمشق، فنفد على الفور، فما كان من المؤلّف سيادة المطران يوحنا ابراهيم رئيس طائفة السريان الأرثوذكس بحلب إلاّ أن أعاد إعداد الكتاب بإخراج جديد وغلاف متميّز (ضم قلعة حلب وجامع التوحيد وكاتدرائية مار أفرام). وافتتحه بتقريظين للكتاب بقلم شخصيّتين حلبيّتين. ودفعه للنشر مجدَّداً، بعد أن كان بين أوائل الكتب ـ إذا لم يكن أوّلها ـ التي صدرت إهداءً لمناسبة الاحتفال بحلب عاصمةً للثقافة الإسلامية للعام /2006/، وحملت بين جنباتها مقولات صريحة ما انفكّ يتبنّاها صاحبها، قولاً وفعلاً، في معاني العيش المشترك، والوحدة الوطنية، والإخاء الديني، لا في المحروسة سورية وحسب، بل على نطاق أوسع في العالَمين العربي والإسلامي.
في مقدّمته "قبول الآخَر" (بجواز ضم القاف وفتحها) ينطلق سيادته من ثلاث قصص من التراث الديني (سِفر التكوين) : " قايين وهابيل " و " عيسو ويعقوب " و " يوسف وإخوته ". وهي قصص عُرفت بين الناس بعنفها ودراميتها فصارت ذات مغزى. وقاسمها المشترك باستنتاج المؤلِّف: أنّ قبول الآخَر يؤدّي إلى حوار وعدم القبول يؤدّي إلى صراع !. وإذا كان اعتبار النهاية لصالح الأقوى إلاّ أن مفهوم التسامح والإخاء، والتآلف هو الذي يجب أن يسود المجتمعات ]تعميم الفكرة[ لترسيخ معاني العدالة والسلام وهو الذي يربط الواحد بالآخَر ... وما فكرة قبول الآخَر إلا القاعدة الأساس لعالَم تسوده العدالة (ص 9). ولأنّ الإنسان، محور موضوع قبول الآخَر، هو الأهم في نظر الله، وجب أن يلتفت إلى أخيه الإنسان ويقبله لخير حضارته الإنسانية في المجتمع. وفي استعراض خاطف لعدد من التعاليم والممارسات المسيحية والإسلامية (وحسب) والحضور المواطنيّ تظهر أمور كثيرة جامعة، في رحاب عبادة الخالق على اختلاف طرائق العبادة في أرض الوطن، من حيث إنّ تعددية الآراء والأفكار والنظريات لا تمنع من العمل المشترك طالما أن الواحد يقبل الآخر كما هو ( ص 14).
مجموعة من المقالات والمحاضرات والأحاديث كان سبق لها أن نُشرت أو أُلقيت فرادى بوّبها سيادته بحسب موضوعاتها : قبول الآخَر (ص 17 ـ 116)، الحوارات (ص 119 ـ 204)، رمضانيّـات (ص 207 ـ 246)، السلم والسلام (ص 249 ـ 266)، إيرانيّـات (ص 269 ـ 296)، فلسطينيّـات (ص 299 ـ 317)، ثم ختمها بالهوامش وبثبت بأهمّ المصادر والمحتويات، وكالمعتاد بلائحة منشورات دار ماردين/الرها بحلب التي قاربت المائة عنوان عدا ما هو تحت الطبع (14 عنواناً).
من القضايا المطروقة ما هو حسّاس للغاية. وقد حظيت بالمعالجة الواثقة الحريصة الفاهمة الاختلاف. وقدّمت في ما قدّمت خلاصة فكر ورؤية مستقبليَّة ترتكز على الماضي في صُوَره المشرقة وتنأى عن غيرها من صوَر قاتمة التفاصيل. ولا عجبَ فالمستقبل هو الواعد وفيه حضور الأجيال القادمة.
المسيحية ومستقبلها في بلاد الإسلام، المسيحية في العالم الإسلامي، الوجه الحقيقي للغزو الأوروبي للقدس والمشرق، المسيحيون والمسلمون معاً في الألفية الثالثة، الأديان والعيش المشترك، دور الشباب في اللحمة الوطنية، الحوار المسيحي _ الإسلامي في سورية... عناوين ضمّها وغيرها قبول الآخر و الحوارات (ما يزيد على 200 صفحة من الكتاب). وهي تخاطب في سطورها العقل تارة والقلب طوراً... ولربّما نجحت في أن تحرّك الوجدان وتضرم العاطفة، فالأسلوب جميل، والمنطق سلس، والقلم سيّال يفهم أين يمضي ويُرضي, وأين يتأنى ويتأبّى في آن. واللافت هنا وساعة الأطياف التي امتدت فشملت عشرات الفرقاء وعديد الحضارات والفعّاليات العالمية والعربية والمحلية... وهذه، في حدِّ ذاتها، خصوصية العمل والعامل. ويتعاظم الأمر بمواكبة الحدث المستجد ووضعه في السياق ومقابلته مع ما في جعبة التاريخ، في قراءة مكثفة ودعوة صريحة إلى تفعيل الدور، أقلّه المسيحي.
يقول سيادته في أسيزي الثانية: كان من الأهمية بمكان أن يعرف العالم بأن الكنيسة في سورية، وكنائس أخرى في منطقة الشرق الأوسط تعيش في عالم بأغلبيَّة مسلمة، ولا درب آخر للاستمرار في تقديم الشهادة الحقة، في عالم تتعدّد فيه الأديان والمذاهب سوى إعادة تجربة العيش المشترك، والإحساس بمسؤولية تواصل الحوار المسيحي الإسلامي. ومهمة المسيحيين تبقى في نقل بشارة الإنجيل إلى كل العالم، وخاصة بين المسلمين، وتوضيح صورة المسيحية في أذهانهم. كما علينا أن نعرف حقيقة الإسلام وإيصال صورته بشكل غير مشوّه إلى أذهان المسيحيين (ص 262). وهو ـ أي سيادته ـ قد سعى حقاً في مجمل توجّه قبول الآخر إلى الدفاع عن هذا الرأي وترجمته في سطور، على وفاء تارة وعلى إباء طوراً، وهذه، والحقّ، ميزة كلّ حرّ يقظ أنبتته هذه الأرض.
وإذا كان ثمة طبعة ثالثة لهذا المؤلَّف الهامّ ـ ونرى أن هذا ليس ببعيد ـ فلعل حضرة المؤلِّف يعكف على ذكر تاريخ كل مقال (أو محاضرة) كان دبّجه أو أذاعه، وهذا ما يستوجبه التوثيق وتستدعيه متابعة القارئ. فالقول "قبل أقل من أسبوعين..." في موضوع رمضان مائدة المحبة (ص 212)، و "قبل أسبوعين سألني أحد الأصدقاء في موسكو..." وفي "تحيّة إكبار لجيل الانتفاضة" (ص 311)، و " تمر اليوم الذكرى السنوية الثالثة... " في " الانتفاضة حتى النصر " (ص 315)... هذه ومثيلاتها تتركنا خارج إطار الزمن والوقائع وتلازم الموقف والنوازع، ولو تمّ تبويب الكتاب على حُسن وإتقان وتطويعه على يُسر ومَران !
نقطة ثانية هي في تقارب عدد من الموضوعات إلى حد التطابق التام للفقرات فيها ! كما هو الحال في " حروب الفرنجة في المصادر السريانية " (ص 59 ـ 72) و " الوجه الحقيقي للغزو الأوروبي للقدس والمشرق " (ص 73 ـ 83) فقد تكرّرت فقرتا الخاتمة (ف 6، ص 71 ـ 72) و (ص 82 ـ 83) وكان الأَولى حذف إحداها. وإذا كان لا بدّ من الاستفاضة، في هذين العنوانين، في إيقاع اللوم كلّه على حروب الفرنجة وفي أنّها " أساءت جداً إلى الشرق وعمّقت في نفوس أبنائه، المسيحيين والمسلمين، الجراح التي مازالت ماثلة إلى يومنا هذا " (ص 72 ومثلها ص 83) فالواجب أيضاً الاستفاضة في شأن الأقوام اللاحقة للفرنجة من تتر ومغول ومماليك... وأخيراً من عثمانيين، التي عبثت بمنطقتنا وهدمت ثقافتها ولم تأبه لدور المسيحية الفعّال. فمع العثمانيين، بحكمهم الجائر وجهلهم الحقيقة وباضطهادهم، أُدخلت المسيحية والمسيحيون في متاهات الرعب والذعر واستعمل الإسلام سلاحاً ضدّ المسيحيين (ص 31) ولعل هذا ما تنبّه إليه حضرة المولِّف فألمح في اقتضاب، في بداية كتاباته، إلى " أن زمن العثمانيين جدير بالتوقّف والدرس " وأن " هذه الصفحة الأليمة المأساويَّة غيّرت الكثير من مفهوم العلاقات بين المسلمين والمسيحيين، وأثرت في عقليّة الناس (ص 32).
بقي أن نُشير إلى أن الشخصيتين الحلبيتين اللتين آلى المؤلِّف على نفسه أن تتصدر مقدمتاهما الكتاب هما سماحة الدكتور محمود عكّام مفتي حلب، خطيب جامع التوحيد، والباحث محمّد قجّة مدير الأمانة العامة للاحتفالية، رئيس جمعية العاديات. وقد رأى الدكتور عكّام أن قبول الآخر بضاعة نفيسة يعرضها أحد كبار تجار الخير في بلدي التي تسمى حلب (صفحة ب). ولقد شاء سماحته أن يبني على مقولات قبول الآخر مقولة أسماها " أنا والآخَر " جعل في بعض جنباتها كلمتين : " فإمّا الخير نتبنّاه وننتمي إليه، وإمّا الشرّ نتخذه رفيقاً، فما أنتم مقررون يا سكان مهد الديانات، ويا أبناء بناة الحضارات... وإنّا لمنتظرون " (صفحة ز). والرأي أنّ قارئ هذه الكلمات لا يتردد لحظة في أن يقول : في قبول الآخر كان الجواب كامناً، بتمامه ووضوحه، فسكان مهد الديانات نحن، وأبناء بناة الحضارات نحن، ومعاذ الله أن نختار سوى الخير، ولطالما اخترناه. والله والإنسان شاهدان... ولن يطول بأحد انتظار !
أما الباحث قجّة فرأى في الكتاب ثمرة فكر وثقافة موسوعيّة، وفي إهدائه دلالة فائقة الأهمية، فحلب " كانت دائماً قبلة المحبة والتسامح والوحدة الوطنيّة والعيش المشترك. ولم تعرف في تاريخها صراعات صغيرة أو كبيرة ".
لا نخفي... فبيتان من الشعر كانا يرافقاننا في رحلة قراءة الكتاب، وهما غيض من فيض شاعر مسيحي حلبي واعٍ أصيل، عبدالله يوركي حلاق /1911- 1996/، طيب الله ثراه، لعل فيهما المراد كله:
داءُ التعصّبِ كالطاعونِ ذو خطرٍ على الجميع فكيفَ العقلُ يرضاهُ ؟