وحتى العقد الرابع للقرن العشرين. وقد أعطت هذه المدينة شخصيات هامة عبر تاريخ الكنيسة السريانية، وعاش فيها عدد كبير من الأدباء والشعراء بينهم بعض المطارنة منهم: اسحق الآمدي الشاعر والفيلسوف الذي ترك أشعاراً وميامر كثيرة، ومار يعقوب السروجي الشاعر السرياني الملهم، ومار يوحنا الآمدي أو الأفسسي، الذي ترك مجلدات هامة في التاريخ الكنسي، والراهب الزوقنيني صاحب التاريخ المعروف باسمه، ومار ديونسيوس يعقوب ابن الصليبي مفسر الكتاب المقدس. ومن العلمانيين الملفونو الشماس نعوم فائق من أدباء النهضة في القرن العشرين الذي مازالت كتاباته كلها غير معروفة وغير منشورة وغيرهم.
ولهذه المدينة تاريخ عريق أيضاً في العلاقات بين الشعوب والأمم من جهة، ومع الامبراطوريات من جهة أخرى، فالرومان والفرس، والعرب، والعثمانيون، كلهم عرفوا هذه المدينة، وأدركوا مكانتها.
صباح يوم الجمعة الواقع في 25/تموز/2008 قدّم الملفونو برهان حنا ايليا كتابه بعنوان: آمد مدينة الفخر، هدية إلى نيافة راعي الأرشية مار غريغوريوس يوحنا ابراهيم. وقد صدّره بكلمة إهداء بالسريانية، أما الكتاب فقد قدّمه هدية إلى زوجته وأولاده ووالديه. وبطاقة شكر إلى ابن عمه رجل الأعمال المغترب السيد الياس ابراهيم حنا .
أما الكتاب فلقد ضمَّ مواضيع كثيرة فصلّها لنا المؤلف في المقدمة التي جاء فيها:
قد يتبادر إلى ذهن القارئ العزيز للوهلة الأولى، لماذا كتابة تاريخ مدينة آمد بالذات؟
بالحقيقة هناك دوافع عدة وراء هذا الاختيار، في مقدمتها، كونها حاضرة من أهم حواضر مابين النهرين ـ مهد الحضارات ـ
وتمتاز بعراقتها، وبدورها التاريخي الهام الحضاري الذي لعبته على مسرح المنطقة منذ أقدم العهود التاريخية حتى الآن.
ورغبة منّا في إتحاف المكتبة العربية والناطقين بالضاد، بكتاب خاص بها كباقي أخوتها من مدن الجزيرة الفراتية.
وما دفعنا أيضاً إلى تسطير تاريخها، كوننا وزوجتي أبصرنا النور فيها، فهي مسقط رأسينا كلينا، ومربع طفولتنا.
ومما زاد اهتمامنا بالمدينة أحاديث وحكايا الوالدين السارة والممتعة والمشوقّة عنها، إذ لازمتنا حتى فراقهما الحياة.
يتناول الكتاب حقبة زمنية طويلة جداً ـ آمد عبر التاريخ ـ لذلك بذلنا جهوداً مضنية ولسنوات، من خلال المصادر والمراجع التاريخية والأدبية باللغات العربية والسريانية والأجنبية وبخاصة التركية، وخلال زيارتين علميتين للمدينة.
بدأنا الكتاب بمدخل عن أسماء آمد عبر التاريخ، موقعها، ومناخها، وتضاريسها.
ثم قسّمناه إلى تسعة فصول، أربعة منها تبحث في الأدوار التاريخية ـ الأحداث السياسية والعسكرية ـ
والفصل الخامس للتقسيمات الإدارية، والفصول الأربعة الباقية خصّصناها للنواحي الحضارية: الاقتصادية، الاجتماعية، الفكرية والعلمية.
وتطرقنا إلى آثارها التاريخية: (الآشورية، والرومانية، والمسيحية، والإسلامية) وبخاصة سورها الموغل في القدم والعظمة التاريخية، والذي يعتبر ثاني أكبر سور بعد سور الصين وقد قال عنه الرحالة البرت كبرئيل Albert Gabriel :
إن أسوار آمد تعتبر بحد ذاتها متحفاً للمخطوطات القديمة
لقد تكلّمنا بشيءٍ من التفصيل في الفصل السابع الحياة الاجتماعية، السكان والطوائف الدينية " عن السريان ، الكلدان، الأرمن، الأكراد".
وكذلك أسهبنا في الفصل الثامن : " الحياة الفكرية والعلمية " عن تراجم علماء السريان الغربيين والشرقيين، وتراجم علماء المسلمين .
أجل ! شغل الفصلان السابع والثامن حيّزاًَ لا بأس به من الكتاب، لأن مضمونهما كان له الدور البارز في المدينة بعد الميلاد.
وأخيراً زوّدنا الكتاب بعدد من الملاحق، الخرائط والصور، كل هذا لإظهار تاريخ هذه المدينة، وأهميتها، ومكانتها السياسية والحضارية، منذ نشأتها وحتى إعلان الجمهورية التركية عام 1924.
هذه ثمرتنا الثانية نقدّمها عسى ان تسدّ فراغاً في المكتبة العربية، ولأرباب العلم، أملين غضّ الطرف عن بعض الأخطاء.
نأمل أن نكون قد حققنا جزءاً من واجبنا، لإحياء هذه الجزء البسيط من تراث ما بين النهرين الخالدة.
فبينما يشكر موقع Alepposuryoye.com المؤلف الجليل الملفونو برهان حنا ايليا لعمله الدؤوب، وبحثه المستمر من أجل إبراز وجه مهم من تاريخ هذه المدينة السريانية الصامدة، يتمنى للكتاب الرواج.