مخيم لجنة الرحمة للسيدات .:. حلب مدينة مبدعة .:. زيارة تفقدية لمحافظة اللاذقية وكسب .:. ريسيتال ترانيم كنسية في اللاذقية على نية عودة المطرانين المخطوفين .:. الأعياد والمناسبات الدينية ــــ شهر تموز 2017 .:. اللقاء الختامي لدورة جذور الصحة .:. تهنئة للأب الربان بطرس قسيس .:. افتتاح النادي الصيفي السرياني بمدرسة بني تغلب الثانية .:. افتتاح النادي الصيفي السرياني بمدرسة بني تغلب الأولى .:. إحياء الذكرى 102 لشهداء المذبحة السريانية سيفو .:.


فتشوا الكتب

فتشوا الكتب
عظة عيد القيامة 27/8/2008

فتشوا الكتب

(يوحنا 5 : 39)

 

 

              غريغوريوس يوحنا ابراهيم

                     متروبوليت حلب

 

(1)

             تحتفل الكنيسة المقدسة بحسب التقويم الشرقي بعيد قيامة ربنا يسوع المسيح من بين الأموات، وذلك بعد أسبوع كامل مخصص للمرحلة الختامية لحياة يسوع المسيح على الأرض.

ونحن في كنيسة أنطاكية السريانية الأرثوذكسية تبدأ عندنا صفحة الآلام مباشرة من زمن دخوله بظفر ومجد إلى أورشليم.والإنجيليون الذين وصفوا الجمهور الذي خرج إلى أحياء وأزقة وروابي أورشليم، وقد التهبت صدورهم بالحماسة، وانطلقت منها الأهازيج والهتافات، وبقيت أصداؤها تتردد في كل جيل ومكان، وهي تصيح أوشعنا أوشعنا لابن داود مبارك الآتي باسم الرب (متى 21 : 9)، يعتقد الإنجيليون أن ذلك الجمهور العرمرم لم يكن على صلة بما سيحدث ليسوع بعد أيام قريبة. ربما بعضهم عبر على آيات تتنبأ عن هذا المشهد. فالنبي زكريا تطلع من بعيد وشاهد الموكب الذي سار في مدينة السلام أورشليم، وكتب بعين الرؤية وهو يصف المشهد العجيب : ابتهجي جداً يا ابنة صهيون، اهتفي يا ابنة أورشليم، هوذا ملكك يأتي إليك، هو عادل ومنصور، وديع وراكب على حمار، وعلى جحشٍ ابن آتان (زكريا 9 : 9).

         ولكن منظر هذا الموكب خلق نقمةً عند الذين أحسوا بأن عروشهم قد اهتزت، ومصالحهم قد اضطربت، لهذا نجد أن بعض الفريسيين من الجمع بادروا إلى يسوع الممجَّد من قبل سكان أورشليم، وقالوا له بغضب : يا معلم انتهر تلاميذك (لوقا 19 : 39)، فجاء الجواب : إن سكت هؤلاء فالحجارة تصرخ ! (لوقا 19 : 40).

         أية حجارة تصرخ في وجه الناكرين لرسالة السماء، إنها الحجارة التي يستطيع الله أن يقيم منها أولاداً لابراهيم عوضاً عنهم (لوقا 3 : 8).

 مشهد عجيب يمر للمرة الأولى على مدينة السلام، أولاد أورشليم يفرشون ثيابهم في الطريق، وعند منحدر جبل الزيتون، امتزج صراخ التلاميذ بصيحات المتحمسين، وأصوات الجمهور : سلام في السماء ومجد في الأعالي، مبارك الملك الآتي باسم الرب (لوقا 19 : 35). أما يسوع المسيح الآتي من ملء الزمان (غلاطية 4 : 4)، عندما اقترب من المدينة نظر إليها وبكى عليها (لوقا 19 : 41)، هذا البكاء له أكثر من دلالة، إنه يرى بأم العين ما سيحدث بعد سنين قلائل لمجد أمته، وقوة قومه، وعراقة مدينته.

(2)

 كل هذا ونحن في الطريق إلى الآلام، وتأتي الساعة، وتبدأ المؤامرة، يقودها يهوذا الذي باع نفسه لإبليس، ينظر ولا يُبصر، يسمع ولا يفهم، يقول يسوع أمام التلاميذ بمنتهى الوضوح والصراحة : تعلمون أنه بعد يومين يكون الفصح، وابن البشر يُسلَّم للصليب. لماذا لا تسأل يا يهوذا نفسك، ومن هذا الذي يُسلمه للصليب، أنسيت مسيرة الخلاص، ألم تسمع ما قاله يسوع المخلص على الجبل عندما فتح فاه وعلَّم قائلاً : طوبى للمساكين بالروح... طوبى لأنقياء القلب... طوبى لصانعي السلام...(متى 5 : 3 – 12)، ألم تعرف أنه عندما أختارك لتكون أحد تلاميذته قد أصبحت من ملح الأرض، ولكن إن فسد الملح فبماذا يُملَّح، لا يصلح بعد لشيء إلا بأن يُطرح خارجاً ويداس من الناس (متى 5 : 13). لماذا سمحت للفساد أن يدخل فيك، فقريباً تُطرح خارجاً وتُداس من الناس.

(3)

ويوم الخميس يوم إعداد عدة العيد، اليوم الأول من أيام الفصح لم يفهم يهوذا قول السيد المسيح : شهوة اشتهيت أن آكل هذا الفصح معكم قبل أن أتألم... الحق أقول لكم أني  لا أشرب من نتاج الكرمة حتى يأتي ملكوت الله (لوقا 22 : 15 و 18). يهوذا كان بطيئاً جداً في فهمه لكلمات السيد المسيح. ففي أول العشاء قال يسوع لتلاميذه وهو يسمع : أنتم طاهرون ولكن ليس كلُّكم (يوحنا 13 : 10)، ثم أشار بعبارة أوضح قائلاً : هوذا يد الذي يسلمني هي معي على المائدة (لوقا 22 : 21)، إنها لحظات أليمة جداً، ويسوع لا يُخفي على تلاميذه ما يعرفه عن تلك الليلة، فعندما سأله التلميذ الذي اتكأ على صدره من هو الذي سيسلمه ؟ أجاب  يسوع : هوذا الذي أغمس أنا اللقمة وأعطيه (يوحنا 13 : 26). فغمس اللقمة وأعطاها ليهوذا سمعان الإسخريوطي، فمضى يهوذا بعد سهرة الوداع ليُنجز ما في فكره، بعد أن دخل فيه الشيطان.

مضى يسوع في صفحة الآلام ومرت الساعات وهو ينتقل من مشهد إلى مشهد. نُذكّر هنا أنفسنا بواحدة منها وهي : مشهد يسوع أمام بيلاطس في دار الولاية، وهو يسأله قائلاً : أنت ملك اليهود ؟ يجيبه : أمن ذاتك تقول هذا أم آخرون قالوا لك عني (يوحنا 18: 33 و 34). ثم يُبيَّن له يسوع أن مملكتي ليست من هذا العالم، لو كانت مملكتي من هذا العالم لكان خدامي يجاهدون لكي لا أسلم إلى اليهود، ولكن الآن ليست مملكتي من هنا (يوحنا 18 : 36). فيسأل بيلاطس مرة ثانية : أفأنت إذاً ملك ؟ (يوحنا 18: 37)، أجاب يسوع : أنت تقول أني ملك، لهذا قد وُلدت أنا، ولهذا قد أتيت إلى العالم، لأشهد للحق، كل من هو من الحق يسمع صوتي (يوحنا 18 : 37). فيقول له بيلاطس : ما هو الحق (يوحنا 18 : 38).

(4)

         بعد هذا الاستنطاق الذي دار كحوار هادئ، الحاكم يجلس كتلميذ يريد أن يتعلّم، والمتهم كمعلم يقدّم إرشادات رائعة للحاكم والسامعين، يذهب يسوع إلى عالم الآلام. فمرة بين يدي الجلاّدين، ومرة بين بيلاطس واليهود، وأخيراً إلى الجلجلة. وفي الطريق نساء أورشليم انتهزْن فرصة تسخير سمعان بالصليب، فاقتربْن من يسوع حزينات، باكيات، منتحبات، تُرى لماذا يظهر وفاء النساء أكثر من الرجال في هذه ساعة المحنة، أين بطرس ورفاقه ؟ أين الذين آمنوا بعد أن نالوا الشفاء. أين البُرص، والصُم، والعُرج، والعُميان الذين عادوا أصحاء إلى المجتمع ؟ (متى 11 : 4)، أين الموتى الذين قاموا ؟ كلهم غابوا عن الساحة ولم يبقَ سوى حفنة من النساء، يلطمْن وينحْنَ عليه. أما يسوع عندما التفت إليهنَّ قال لهنَّ : يا بنات أورشليم لا تبكين عليَّ، بل أبكين على أنفسكن وعلى أولادكن، لأنه هوذا تأتي أيام يقولون فيها طوبى للعواقر والبطون التي لم تلد، والثُّدي التي لم تُرِضع، حينئذٍ يبتدئون يقولون للجبال أسقطي علينا، وللآكام غطينا، لأنه إن كان بالعود الرطب يفعلون هذا فماذا يكون باليابس ؟  (لوقا 23 : 28 – 31)، أليس هذا جواباً على سؤال بيلاطس ليسوع المسيح : ما هو الحق ؟.

(5)

 صفحة الآلام تستمر، ويسوع يُصلب بين لصين، وقبل أن يصرخ إلى أبيه السماوي قائلاً : ايلي ايلي لماذا شبقتني أي إلهي إلهي لماذا تركتني (متى 27 : 46)، لم ينسَ أمَّه الواقفة من بعيد وهي تستعيد كل حدث الخلاص، لقد كانت تحفظ جميع الأمور في قلبها (لوقا 2 : 51). إذاً أنت يا سمعان الشيخ، أيها البار التقي، يا من انتظرت تعزية شعبك وكان الروح القدس عليك، كنت على حق عندما قُلت لأم الطفل يسوع : وأنتِ أيضاً يجوز في نفسك سيف لتُعلن أفكار من قلوب كثيرة. (لوقا 2 : 35)، هوذا كلامك يتألق اليوم بخاصة عندما قُلت : أن هذا قد وضع لسقوط وقيام كثيرين... ولعلامة تُقاوم (لوقا 2 : 34). قم يا مار سمعان الشيخ، وانظر، كيف أنَّ هذا الطفل الذي حملته على ذراعيك في هيكل الرب، يهزُّ العالم كله بتعاليمه ومعجزاته، وأخيراً بآلامه وصلبه وموته، لقد أعطى العالم حياةً بعد أن امتد على الصليب الظاهر المُكلل بالمجد.

         وجاء صباح الأحد فأصبح كل الكلام الذي قاله اليهود وزعماؤهم من ماضي الزمان، والعالم في صباح الأحد يرى نفسه أمام قبر فارغ : تعال يا يوسف الرامي أيها المُشير الرجل الصالح البار، أنت لم تكن موافقاً لرأي أبناء جنسك وعملهم، يا من كنت تنتظر ملكوت الله، تعال وأشهد كيف تقدمت بطلب إلى بيلاطس لتدفن جسد يسوع، وأنزلته بعد أن لُفَّ بكَتان، ووضعته في قبر منحوت، حيث لم يكن أحد وُضع قط (لوقا 23 : 50 – 53). تعال وأشهد للعالم أنك أنت ونيقوديموس تعترفان بموت السيد المسيح ودفنه، والآن ترى أن هذا القبر ذاته فارغ، تعال اسمع مريم المجدلية وقد جاءت إلى سمعان بطرس وإلى التلميذ الآخر الذي كان يسوع يحبه، وهي تتحدث : عن رجلين وقفا أمام القبر بثياب براقة، وقالا للنسوة : لماذا تطلبن الحي بين الأموات؟ ليس هو ههنا لكنه قام (لوقا 24 : 5 و 6). إنها رأت الحجر مدحرجاً، والقبر مفتوحاً فارغاً، والمكان قفراً، إذاً جاءت صفحة المجد، ويسوع المسيح قام من بين الأموات.

(6)

         إن ظهورات السيد المسيح التي توالت أعطت قوةً جديدةً للرسل. الآن القيامة أصبحت حقيقة، وشهود القيامة عددهم يكبر، مريم المجدلية ومعها المريمات، بطرس، يوحنا، وغيرهما من الرسل. حتى إن قائد المئة والذين معه يحرسون أيضاً يشهدون بأن زلزلةً عظيمةً حدثت، وخافوا جداً وقالوا : حقاً كان هذا ابنَ الله (متى 27 : 54)، وأن ملاك الرب نزل من السماء وجاء ودحرج الحجر عن الباب، وجلس عليه وكان منظره كالبرق، ولباسه أبيض كالثلج، لقد ارتعد الحراس وصاروا كأموات، والظهورات أعادت الحياة إلى قلوب الرسل، خاصة عندما وقف يسوع نفسه في وسطهم وقال لهم : سلام لكم، وأراهم يديه ورجليه (يوحنا 20 : 19 و 20). والظهورات أعادت توما أحد الاثني عشر إلى الإيمان بعد أن قال للرسل : إن لم أبصر في يديه أثر المسامير وأضع إصبعي في أثر المسامير وأضع يدي في جنبه لا أؤمن (يوحنا 20 : 25)، فهذا الناهض من بين الأموات يدخل إلى العُليِّة بعد ثمانية أيام، والأبواب مغلَّقة وكان توما حاضراً مع التلاميذ، ويخاطبه قائلاً : هات إصبعك إلى هنا، وأبصر يدي، وهات يدك وضعها في جنبي، ولا تكن غير مؤمنٍ بل مؤمَناً (يوحنا 20 : 27). وسمعت الأجيال صدى صوت توما وقد أحنى هامته أمام الرب قائلاً : ربي وإلهي  (يوحنا 20 : 28). ويُعلن يسوع الناهض من بين الأموات : طوبى للذين آمنوا ولم يروا   (يوحنا 20 : 29). 

(7)

ولكن دعونا في هذه الليلة نتوقف عند ظهور السيد المسيح لتلميذين كانا منطلقين في ذلك اليوم إلى قرية بعيدة عن أورشليم ستين غلّوة اسمها عمّاوس.

فالإنجيلي لوقا وهو الأبرز بين الإنجيليين في رسم لوحة القيامة بريشة فنية رائعة، فبعد أن وصف حاملات الحَنوط كيف ذهبْن في أول الأسبوع إلى القبر، ووجدْنَّ الحجر مدحرجاً عن القبر، ثم رجعْن وأخبرْن الأحد عشر وجميع الباقين بالخبر، وكيف حسب الرسل كلام مريم المجدَلية، ويونّا، ومريم أم يعقوب، والباقيات، كالهذيان، فقام بطرس وركض إلى القبر فانحنى ونظر الأكفان موضوعة وحدها، فمضى متعجباً من نفسه.

إن ما سرده لنا لوقا البشير عن حكاية الاثنين اللذين كانا منطلقين إلى قرية عمّاوس، وكانا يتكلمان بعضُهما مع بعض عن جميع هذه الحوادث، وكيف أنهما كانا يتكلمان ويتحاوران، وإذا فجأة يقترب منهما يسوع المسيح الناهض من بين الأموات دون أن يعلما، بل أن أعينهما أمسكت عن معرفته (لوقا 24 : 16). إن هذا الظهور وما رافقه أثّر كثيراً ليس فقط بتلميذي عماوس وإنما بالرسل جميعاً.

الملاحظة الأولى التي نلمسها في هذا الظهور هي أن أعينهما قد أُمسكت عن معرفته. فالتلميذان كانا متحمسَين في حديثهما عن يسوع وصفحة الآلام التي رافقت حياته الختامية، وعندما سألهما يسوع وما هي ؟ اختصرا مسيرة التجسد الإلهي وقال أحدهما الذي اسمه كليوباس بكل ما يختص بيسوع الناصري الذي كان إنساناً نبياً مقتدراً في الفعل والقول، أمام الله وجميع الشعب، كيف أسلمه رؤساء الكهنة والحكام لقضاء الموت وصلبوه  (لوقا 24 : 19 و 20). كليوباس يتحدث عن هذه القدرة التي ظهرت جلياً في أعماله الباهرة، ومع هذا فرؤساء الكهنة والحكام قضَوا بالحكم عليه بالموت بعد أن صُلب على خشبة العار، ولكن كليوباس ختم بعبارة أخرى، وقال : نحن كنا نرجو أنه هو المزمع أن يفدي إسرائيل (لوقا 24 : 21).

(8)

حيرة لفّت النساء والتلاميذ جميعاً لأنه بموت يسوع خابت آمالهم وسقطت أحلامهم، ولم يتحقق رجاؤهم، وكليوباس استطرد يقول : لكن مع هذا كله اليوم له ثلاثة أيام منذ حدث ذلك، بل بعض النسوة منا حيّرتنا إذ كنَّ باكراً عند القبر، ولما لم يجدن جسده أيقن قائلات أنهنَّ رأين منظر الملائكة قالوا أنه حي، ومضى قوم من الذين معنا إلى القبر فوجدوا هكذا، كما قالت أيضاً النساء وأما هو فلم يروه (لوقا 24 : 22 – 24).

إن خطأ التلاميذ والنساء وكل الذين رافقوا يسوع المسيح في حياته العملية، وكانوا شهوداً على صفحات الآلام، ثم الصلب، والموت، كان في عدم قراءة الكتب، فالأنبياء من موسى، ومن جاء بعده، أشاروا برموز وآيات، وأعلنوا بما لا يقبل الشك عن كل هذه الأمور التي حدثتْ فيها بهذه الأيام، قدرة يسوع في الفعل والقول، هي تلك القوة الخارقة التي كانت معه في كل خطوة حقق بواسطتها أحلام الإنسان الخاطئ فقط، لو فتشوا الكتب لعرفوا لماذا قال يسوع المسيح لذلك المخلّع : مغفورة لك خطاياك. حتى يوم دخوله لأورشليم لم يتذكّروا زكريا النبي وهو ينظر بعين الرؤيا إلى الملك العادل، والمنصور، والوديع الراكب على حمار وجحش ابن آتان. لو قرأوا الكتب لعرفوا لماذا أمر زكريا أورشليم لتخرج بشيبها وشبّانها، برجالها ونسائها، بصغارها وكبارها، بكل الطبقات والشرائح والانتماءات، وتفرح وتبتهج وتهتف في ذلك اليوم.

(9)

إذاً مشكلة الرسل والتلاميذ والنساء في يوم قيامة ربنا يسوع المسيح من بين الأموات كانت في عدم تفتيش الكتب، ولم يخطر على بالهم أن موسى والأنبياء تنبأوا جميعاً عن مجيء ابن الإنسان بالجسد، مرحلة منظورة بعد القيامة لتلميذي عمّاوس.

والحوار الذي جرى معهما أختصر كل مسيرة الأنبياء، وأعطى تحليلاً موجزاً لفكرهم عن الحوادث التي وقعت في تلك الأيام. لهذا نرى يسوع بعد أن استمع لكيليوباس، يقول لهما بشيء من العنف والتوبيخ، ويوجه بواسطتهما كلامه للآخرين : أيها الغبيان وبطيئا القلوب بالإيمان بجميع ما تكلم به الأنبياء، أما كان ينبغي أن المسيح يتألم ويدخل مجده (لوقا 24 : 25 و 26)، ثم ابتدأ من موسى ومن جميع الأنبياء يفسر لهما الأمور المختصة به في جميع الكتب.

هذا الكلام الذي فيه كثير من العنف والتوبيخ للتلميذين والرسل والنساء وجميع الذين رافقوا يسوع المسيح في حياته العملية على الأرض، يُشير إلى أن قلة الفهم هي معضلة حقيقية تؤدي إلى انفصام في شخصية الإنسان. أنت مؤمن ؟ قدّم برهاناً على إيمانك من خلال قراءتك للكتب ! هل عرفت موسى والأنبياء ؟ هل رافقتهم في نبؤاتهم، وأقوالهم، وإشاراتهم، ورموزهم ؟ أم أنت الآن مثل توما تُعلن عن توبتك وندمك بعد أن دخل الشك دخل قلبك ؟ إن ظهور يسوع المسيح للتلميذين على الطريق إلى عمّاوس مهم جداً، لأنه كلّمهم عن المسيح المتألم الذي سيدخل إلى مجده، وخاتمة هذا الظهور كان عندما دخل ليمكث معهما، فلما اتكأ معهما أخذ خبزاً وبارك وكسر وناولهما (لوقا 24 : 30).

وهنا جاء دور الطاقات غير المتناهية لتدخل لنا النور السماوي ليمسح عن عيوننا الدموع على الماضي قبل دعوة الاثنين. لكن الطعام الذي قدّمه لهما على مائدة الحياة، كان سبب إِبعاد قلة الإيمان والفهم والغباء عن كل الذين أرادوا أن يعيشوا مع المسيح الناهض من بين الأموات. فعندما اتكأ معهما وأخذ خبزاً وكسّره وبارك وناولهما يقول إنجيل لوقا : انفتحت أعينهما، أي أن الذين كانوا ينظرون ولا يُبصرون عاد البصر إليهم، والذين كانوا يسمعون ولا يفهمون، عاد الفهم إلى حياتهم، وعندما تكون العيون مفتوحة يبدوا كل شيء جلياً، فيأتي الإنسان إلى عالم المعرفة، لهذا عندما انفتحت أعينهما عرفاه، وعند المعرفة كان عليهم أن يُفتشوا الكتب ويقرأوا فيها عن مسيرة الخلاص، ويتحققوا منه ما كتبه الأنبياء بدءاً من موسى، ومروراً بإشعياء، وأرميا، وحزقيال، ودانيال، ويونان، وميخا، وزكريا، وانتهاء بملاخي، لقد كتبوا عن فرح القيامة الذي دخل في قلوبهما. إنَّ التلميذين لم يشعرا بتعب مسيرة الوصول إلى عمّاوس بعد الظهور، لهذا قاما في تلك الساعة، ورجعا إلى أورشليم والفرح يغمرهما، وكانا يخبران بما حدث في الطريق معهما وكيف عرفاه عند كسر الخبز.

إنها نشوة الظفر، وإحساس غريب بالفرح من الداخل، لأن صفحة الآلام انقلبت رأساً على عقب، وابتدأت صفحة جديدة فيها كل معاني الإيمان الحقيقي لربنا يسوع المسيح القائم من بين الأموات.

(10)

يربط لوقا البشير حدث ظهور السيد المسيح للتلميذين المنطلقين لعمّاوس، بظهوره الأخير عندما وقف في وسط التلميذين حين قال لهم : سلام لكم. مرة أخرى نجد أن الفزع والخوف يدخلان إلى قلوبهم، وظنَّ التلاميذ أنهم نظروا روحاً، لكن الناهض من بين الأموات بدد كل معاني الشك في قلوبهم عندما كلّمهم : ما بالكم مضطربين لماذا تخطر أفكار في قلوبكم، انظروا يدي ورجلي، إني أنا هو، جسّوني وانظروا، فإن الروح ليس له لحم وعظام كما ترون لي (لوقا 24 : 38).

وهنا مرة أخرى ذكّرهم بضرورة التفتيش في الكتب، وقراءة ما جاء فيه على لسان موسى والأنبياء، لأن هذا كان الدليل القاطع الذي يُشير إلى حقيقة ما حدث في تلك الأيام. قال للتلاميذ : لا بد أن يتم كل ما كتب عني في ناموس موسى والأنبياء والمزامير، حينئذ فتح ذهنهم ليفهموا الكتب (لوقا 24 : 44).

إن تلميذي عمّاوس بعد أن فتح أعينهما ليفهما الكتب، اختفى عنهما، فقال بعضهما لبعضٍ : ألم يكن قلبنا ملتهباً فينا إذ كان يكلمنا في الطريق ويوضح لنا الكتب (لوقا 24 : 32). وهنا أيضاً يفتح السيد المسيح ذهن التلاميذ ليفهموا الكتب وليقول لهم هذا هو ما كُتب عني، وهكذا سيكون المسيح المتألم والناهض من بين الأموات بعد ثلاثة أيام.

المهمة الأخيرة التي أعطاها السيد المسيح بعد ظهوراته لهم، كانت الشهادة. فقيامته من بين الأموات أعلن عنها الشهود ليس في أورشليم فحسب، وإنما في كل مكان. لهذا قال  لهم : أنتم شهود، لذلك تمكّن الرسل والتلاميذ من تقديم شهادة حقيقية عن الناهض من بين الأموات يسوع المسيح، ولكن هذا حدث مباشرة بعد أن لبسوا قوة من الأعالي أي بعد حلول الروح القدس يوم الخمسين.

إذاً موضوع تفتيش الكتب كان ضرورياً جداً، وعلى هذا الأساس استطاع الرسل والتلاميذ أن يعلنوا بشارة الخلاص للعالم. وبطرس الرسل عندما وقف في وسط التلاميذ وكانوا نحو /120/، وألقى خطبته الأولى فهم معنى التفتيش في الكتب. فقال كان ينبغي أن يتم هذا المكتوب الذي سبق الروح القدس، فقاله بفم النبي داود. وبعد قليل يقول : لأنه مكتوب في سفر المزامير.

وفي يوم الخمسين يعود بطرس مرة أخرى ليذكِّر من جاء إلى أورشليم للعيد مع الساكنين في المدينة، وليبيّن أهمية تفتيش الكتب فاستشهد بقول يوئيل النبي أولاً، ثم بداود قلب الله، وبأقوال أخر كثيرة كان تشهد لهم.

لقد ورد في الأناجيل المقدسة، وفي أكثر من مناسبة موضوع ربط ما جاءت به كتب الأنبياء وحياة يسوع المسيح وأقواله ومعجزاته فعندما أُصعد يسوع بالروح إلى البرية ليُجّرب من إبليس، كان جواب يسوع للمجرّب دائماً مكتوب، أي عُد للكتاب المقدس  (متى 4 : 4 و 7 و 10)، وكذلك الحال عندما دخل إلى هيكل الله وأخرج جميع الذين كانوا يبيعون ويشترون في الهيكل ذكرّهم بقول الكتاب : بيتي بيت صلاة يُدعى، وأنتم جعلتموه مغارة لصوص، وفي مثل الإنسان الذي غرس كرماً والكرّامون أخذوا الوارث وقتلوه، أيضاً أشار إلى قول الكتاب قائلاً : أما قرأتم قط في الكتب أن الحجر الذي رفضه البناؤون هو قد صار رأساً للزاوية (متى 21 : 13 و 42). وفي مثل عدم إيمان الصدّوقيين بالقيامة، أيضاً أشار عليهم ليقرأوا ما قيل لهم من قبل الله، ولكنه بعنف وبّخهم قائلاً : تَضِلون إذ لا تعرفون الكتب ولا قوة الله (متى 22 : 29).

حتى في شأن آلامه أشار إلى الذي يُسلمه قائلاً : إن ابن الإنسان ماض كما هو مكتوب عنه (متى 26 : 24).

ومرقس البشير يُشير إلى نبوة إشعيا الذي قال فيها عن اليهود وزعمائهم : أنتم المرائين كما هو مكتوب (مرقس 7 : 6).

ويكرر مرقس ما قاله متى الإنجيلي في موضوع الحجر الذي رفضه البناؤون، والقيامة التي لم يؤمن بها الصدوقيون.

ولوقا البشير في حديثه عن تلميذي عمّاوس، يكرر الإنجيلي كلام القديسيَن متى ومرقس.

أما يوحنا الرائي والإنجيلي فمن بدايات إنجيله يتحدث عن الكتاب والكتب والأنبياء وهو الذي أوصانا قائلاً : فتشوا الكتب لأنكم تظنون أن لكم فيها حياةً أبديةً وهي التي تشهد لي (يوحنا 5 : 39)