أطلق موقع قنشرين في حلب خدمة مسيحية جديدة بعنوان : صلّوا لأجلهم، وهي خدمة تمكّن كل المسيحيين في كل أنحاء العالم للصلاة من أجل موتاهم الراقدين على رجاء القيامة، وذلك بزيارة قبورهم من بعيد، وإيقاد شمعة، والصلاة لأجل راحة أنفسهم، وسماع صلوات وتراتيل وقراءات من الكتاب المقدس وعظات، وهكذا يعيش المؤمن مع الراقد بالرب عن طريق هذه الخدمة.
هذه عظة نيافة راعي الأبرشية مار غريغوريوس يوحنا إبراهيم :
صلّوا لأجلهم
كلّما ودعّنا عزيزاً علينا يرحل عن هذه الحياة الفانية، إلى حياة الخلود, تحتل الأسئلةُ المتعلّقة بالموت والحياة، مكانةَ الصدارة في أحاديثنا. هل حقاً عندما تنفصل النفس عن الجسد سيقوم الإنسان يوم الدين ؟ أم أن حياته كلَّها مرتبطة على الأرض ؟ والذي يقرأ الكتاب المقدسُ يدرك أن النفس لا تموت، وإنما تنتقل إلى الخالق. يقول في هذا الصدد القديس مار سويريوس تاج السريان وبطريرك أنطاكية في إحدى رسائله : بعد أن تطيرَ النفسُ من الجسد بعد الانتقال من ههنا, تصادفها القوات الملائكية الصالحة، وزمر الشياطين الأشرار، لكي بحسب تأثيرات هذه الأفعال التي فَعَلَتْها، سواء كانت صالحة أم شريرة، يأخذها إما أولئك أو هؤلاء إلى الأمكنة التي تستحقها حتى اليوم الأخير الذي نقوم فيه جميعنا حيث نُحمَلُ إلى الحكم إما إلى الحياة الأبدية أو إلى السلهبة النارية غير المنطفئة، أو إلى الملكوت السماوي الذي ليس له انقضاء.
أيها الأخوة، أيتها الأخوات،
من يتأمّل تاريخ البشرية يرى أن الصراع دائماً كان بين الموت والحياة. ولهذا كلّما طالعنا الكتاب المقدس بعهديه نجد في آياته تركيزاً على أن الجسد فانٍ، وأن الروح باقٍ. ففي سفر أيوب مثلاً نقرأ : لكنه عليه يتوجّع جسدُه، وعليه تنوحُ روحُه. والآية الواردة في سفر الجامعة تتماشى مع هذا القول : يعود التراب إلى الأرض حيث كان، وتعود الروح إلى الله الذي وهبها. وأيضاً نقرأ في سفر الحكمة : أما نفوس الصدّيقين فهي بيد الله، فلا يمسّها العذاب. ونحن أبناء العهد الجديد المؤمنين بكلام الله وبالإنجيل الطاهر نرى أن ربنا يسوع المسيح يحذّرنا من الخوف ممن يقتل الجسد، ويقول : لا تخافوا ممن يقتل الجسد، ولكن النفس لا يقدرون أن يقتلوها. فالصراع بين الجسد والروح على الأرض من أجل أن تكون أعمالنا صالحة ينتهي كلياً عندما تنفصل النفس عن الجسد.
فرغم أن الموت مرٌ، وساعة الفراق تُدخِلُ الكآبة إلى النفوس، ونودّع أمواتنا بالدموع والحسرات، ولكن مع كل هذا فإيماننا بمصير النفس التي تعود إلى الخالق، والذي يعزّي ويُبعِدُ آثار الحزن، وهنا يجب أن نذكر أن الآباء والقديسين أيضاً كانوا يقفون موقف قلقٍٍ أمام الموت. مثلاً مار يعقوب السروجي أحد علمائنا وشعرائنا الكبار يقول في ميمرٍ له فردد في صلواتنا : ثلاث يا رب تخيفُني وتشتِتُ فيها أفكاري : ساعة الموت، والمِنبر المفزع، وجهنّم.
ولكن مع كل هذا فالسيد المسيح الذي أصبح باكورة الراقدين، وانتصر على الموت والهاوية، وقام من بين الأموات بعد ثلاثة أيام من موته على الصليب، جعل بولس الرسول، وبأعلى صوته أن يعلن : أين شوكتك يا موت ؟ وأين غلبتكِ يا هاوية ؟ ولهذا فنحن نردد دائماً بإيمانٍ في الصلاة الربية : ليأت ملكوتك، وفي القداس الإلهي : موتَكَ يا ربُّ نحنُ ذاكرون، وبقيامَتِكَ مُعتَرِفون، ولِمَجيئِكَ الثّاني نحنُ مُنْتَظِرون، فَلْتَكُنْ مراحِمُكَ عَلَيْنا أجمعين. مَوْتُوخ مُوران مِثاهْدِينان. وْبَقْيُومْتُوخ مَوْدِنـان. وَلْمِثِيثُوخ هُوي دْتارْتِن مْساكِنان. رَحمَيكْ نِهْوون عالْ كولان.
فكل ما نقوم به من أعمال وخدمات هي لكي نلقى وجه الخالق، ونكون من أبناء اليمين.
عندما نزور قبور الراقدين بالرب، ونوقد شمعة لتكون مضيئة القبر كله نتذكّر بيت عنيا، ومرتا ومريم، والجموع التي جاءت لكي تقدم التعزية بوفاة أخيهما العازر، ونسترجع في أذهاننا الحوار القصير بين مرتا والرب يسوع المسيح حيث قالت له : يا رب لو كنتَ ههنا لم يمت أخي، لكني الآن أعلم أن كل ما تطلبه من الله يعطيك الله إياه، فقال لها يسوع : سيقوم أخوكِ. فقالت له مرتا: أنا أعلم أنه يقوم في القيامة في اليوم الأخير. وجاء جواب السيد المسيح واضحاً جداً، لا يحتاج إلى شرحٍ أو تأويلٍ أو تفسير: أنا هو القيامة، والحياة، من آمن بي، ولو مات فسيحيا. وكل من كان حياً وآمن بي فلن يموت إلى الأبد.
على هذا الرجاء وهذا الإيمان نحن نودّع أحبّتنا، ونعلم أن يسوع المسيح بتجسّده بعث حياةً في نفوسنا، وأدخل رجاءً كاملاً في قلوبنا، بما أننا نؤمن بأننا سنرقد كلّنا ولكننا كلنا نتغيّر، فهذا الفاسد لا بد أن يلبس عدم فساد، وهذا المائت يلبس عدم موت. عندما يحصل هذا الأمر سيُبتَلَعُ الموت إلى غَلَبة، ونحن نشكر الله الذي يعطينا الغَلَبة بيسوع المسيح. فالراقدون بالرب على رجاء القيامة وقد سبقونا هم عِبرة لنا، لكي نستعد استعداداً كاملاً لذلك اليوم، وما دمنا أحياء يجب أن نصلي دائماً من أجل موتانا، ونطلب الرحمة الكاملة لهم.
ونصلي من أجل أنفسنا أيضاً لكي نكون دائماً في يَقَظَةٍ مستعدين ساعة انفصال أنفسنا عن أجسادنا. إنها تعزية كبيرة أن نعيش حياة الإيمان، ولا نتمرّغ في الأحزان، والأوجاع، والآلام على موتانا.
ومع بولس الرسول نقول : ثُمَّ لاَ أُرِيدُ أَنْ تَجْهَلُوا أَيُّهَا الإِخْوَةُ مِنْ جِهَةِ الرَّاقِدِينَ، لِكَيْ لاَ تَحْزَنُوا كَالْبَاقِينَ الَّذِينَ لاَ رَجَاءَ لَهُمْ. لأَنَّهُ إِنْ كُنَّا نُؤْمِنُ أَنَّ يَسُوعَ مَاتَ وَقَامَ، فَكَذَلِكَ الرَّاقِدُونَ بِيَسُوعَ سَيُحْضِرُهُمُ اللهُ أَيْضاً مَعَهُ. فَإِنَّنَا نَقُولُ لَكُمْ هَذَا بِكَلِمَةِ الرَّبِّ: إِنَّنَا نَحْنُ الأَحْيَاءَ الْبَاقِينَ إِلَى مَجِيءِ الرَّبِّ لاَ نَسْبِقُ الرَّاقِدِينَ. لأَنَّ الرَّبَّ نَفْسَهُ سَوْفَ يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ بِهُتَافٍ، بِصَوْتِ رَئِيسِ مَلاَئِكَةٍ وَبُوقِ اللهِ، وَالأَمْوَاتُ فِي الْمَسِيحِ سَيَقُومُونَ أَوَّلاً. ثُمَّ نَحْنُ الأَحْيَاءَ الْبَاقِينَ سَنُخْطَفُ جَمِيعاً مَعَهُمْ فِي السُّحُبِ لِمُلاَقَاةِ الرَّبِّ فِي الْهَوَاءِ، وَهَكَذَا نَكُونُ كُلَّ حِينٍ مَعَ الرَّبِّ. لِذَلِكَ عَزُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضاً بِهَذَا الْكَلاَمِ (1 تسالونيكي 4 : 13 ـ 18).
ليرحم الله كل من رقد على رجاء القيامة، وليرحمنا نحن أيضاً الذين مازلنا مقيدين بالجسد. آمين.